علاقات افتراضية

في زمنٍ تتسارع فيه الأوقات كنبضاتٍ متلاحقة، وتغدو الشاشة نافذةً أوسع من الأفق، نشأت علاقاتٌ لا يلمسها الجسد ولا تثقلها الجغرافيا، بل تعيش في الفضاء الافتراضي؛ هناك حيث الحروف تكتسي حرارة المشاعر، وتحمل الرموز رغم صمتها أكثر مما تقوله الجمل الطوال.
نشأت في هذا الفضاء علاقات ليست محض خيال ولا مجرد لهوٍ عابر، بل هي لقاءات أرواحٍ تلتقي في محطاتٍ غير مرئية، تتحاور، تتقارب، ثم تكتشف أن القرب قد يكون أحياناً بلا مسافة، وأن الغياب قد يحضر رغم امتلاء المحادثة بالكلمات.
هي علاقات تُسقَى بالوقت والبوح، معلّقة بخيط الإنترنت، قابلة لأن تنطفئ بزرّ إغلاق أو انقطاع شبكة، ومع ذلك فإن أثرها على النفس قد يكون أعمق من صداقةٍ جسدها الواقع، إذ يكفي أن يجد المرء روحًا تُصغي له في عتمة الليل، أو قلباً مجهول الاسم يمنحه صدقاً كان يفتقده في محيطه القريب.
تظل كالسفر في حلمٍ طويل .. ممتعة، مؤثرة، وربما مُرهقة. فهي تُرهق القلب حين يُسرف في التعلّق بما لا يستطيع احتواءه، وتُربك العقل حين يتساءل عن حقيقة من خلف الشاشة: أهو ظلّ عابر أم قلب صادق؟
لا يجتمع الناس في هذا العالم ( رومات اللودو كأنموذج) ليس فقط ليمرّروا الوقت، بل يجتمعون ليصنعوا لحظاتٍ تُشبه جلسات السمر في المقاهي القديمة، حيث تتعانق الضحكات بالبوح، ويتسلل الفضول إلى الحوارات الجانبية. قد تلتقي بإنسانٍ من مكان بعيد جغرافياً عنك ، لا تعرف عن تفاصيل وجهه شيئًا، لكنك تعرف من نبرة صوته رضاه وغضبه، وقد يكتب لك أحدهم عبارة عابرة، فتغدو مع مرور الأيام بداية علاقة، تكبر بين يوم وآخر !
هذا المكان قد يحمل في ثناياه كل ما في العلاقات الإنسانية من دفءٍ وتناقض. ففيها تتشكل صداقات حقيقية، تُبنى على التكرار والاعتياد، وعلى ثقةٍ غريبة بأن هذا الاسم المستعار الذي يتكرر أمامك يوميًا، لم يعد غريبًا كما كان. وفيها أيضاً تُولد مشاعر أقوى: تعاطف، حنين، وربما حبٌ خفيّ، يجد في مساحة اللعبة ما لا يجده في قسوة الواقع.
هذه العلاقات فيها من الغرابة الشيء الكثير؛ فهي مُرهقة بقدر ما هي عذبة. إذ يظل في أعماق النفس سؤالٌ لا يغيب: هل هذا القرب حقيقي، أم أنه مجرد انعكاس على شاشة؟ هل هذه الروح التي ترافقني كل مساء، ستظل باقيةً أم ستغيب ؟ ومتى ؟
هذه العلاقات نافذة على الذات والآخر.
فيها نكتشف أننا لسنا بحاجةٍ إلى مقعدٍ مشترك ولا إلى طرقاتٍ متقابلة كي نكوّن علاقة. يكفي أن نجلس أمام شاشة الجوال، حتى يتكوّن بيننا خيطٌ إنساني رفيع، قد يمتد طويلاً، وقد ينقطع فجأة، لكنه يترك أثراً لا يزول.
تلك هي المفارقة مزيجٌ من الوهم والحقيقة، من اللعب والجد، من البساطة والعمق، فيها نكتشف أن الإنسان يظل باحثاً عن دفء الآخر، عن كلمةٍ صادقة، عن لحظةٍ تُشعره بأنه ليس وحيدًا في هذا الكون.
العلاقات الافتراضية إذن، مرآةٌ تكشف جوهرنا أكثر مما نخال. قد تحمل وهماً كبيراً، لكنها أيضًا قد تهبنا لحظات صفاء نادرة، تعلمنا أن الروح تستطيع أن تلمس الروح حتى ولو حال بينهما آلاف الأميال.
فلنكن في هذا العالم الافتراضي كما نحن في الواقع ؛ صادقين في بوحنا، رحماء في كلماتنا، واعين بأن خلف كل شاشة قلباً يتأثر. واجعلوا حضوركم نوراً لا وهجاً عابراً، فالأثر الذي نتركه في الأرواح سيبقى ربما أمد العمر لأحدهم.
دمتم بخير.
آسر

